محمد هادي معرفة
127
التمهيد في علوم القرآن
والمدارك ، فوجب على الناظر في ذلك أن يبحث عن وجه إعجازه في مجال آخر يكفي لتعليل ذلك السلطان البعيد المدى الذي كان ولا يزال للقرآن على عقول الآخذين به ! العلّة في نظرنا واضحة لا تحتاج لكثير تأمّل ، وهي أنّ القرآن روح من أمر اللّه ، وَكَذلِكَ أَوْحَيْنا إِلَيْكَ رُوحاً مِنْ أَمْرِنا « 1 » ، فهو يؤثّر بهذا الاعتبار تأثير الروح في الأجساد فيحرّكها ويتسلّط على أهوائها . وأمّا تأثير الكلام في الشعور فلا يتعدّى سلطانه حدّ إطرابها والحصول على إعجابها . فقوله تعالى : وَكَذلِكَ أَوْحَيْنا إِلَيْكَ رُوحاً مِنْ أَمْرِنا يكفي وحده في إرشادنا إلى جهة إعجاز القرآن ، وقصور الإنس والجنّ عن الإتيان بمثله ، وبقائه إلى اليوم معجزة خالدة تتلألأ في نورها الإلهي ، وتتألّق في جمالها القدسيّ . ذلك لما كان القرآن روح من أمر اللّه ، فلا جرم كانت له روحانيّة ، خاصّة ، هي عندنا جهة إعجازه والسبب الأكبر لانقطاع الإنس والجنّ عن محاكاة أقصر سورة من سوره ، وارتعاد فرائص الصناديد والجبابرة عند سماعه ، وناهيك بروحانيّة الكلام الإلهي ! نعم أنّ جهة إعجاز هذا الكتاب الإلهي الأقدس هي تلك الروحانيّة العاليّة التي قلبت شكل العالم ، وأكسبت تلك الطائفة القليلة العدد خلافة اللّه في أرضه ، وأرغمت لهم معاطس الجبابرة والقساورة ، ووطأت لهم عروش الأكاسرة والقياصرة . . يُلْقِي الرُّوحَ مِنْ أَمْرِهِ عَلى مَنْ يَشاءُ مِنْ عِبادِهِ « 2 » . لا مشاحة في أنّ القرآن فصيح قد أخرس بفصاحته فرسان البلاغة وقادة الخطابة وسادات القوافي وملوك البيان . وهو حكيم بهر سماسرة الحكمة والفلسفة وأدهش أساطين القانون والشريعة وحيّر أراكين النظام والدستور . وهو حقّ ألزم كلّ عال الحجة ودلّ كلّ باحث على الحجّة ولم يغادر صغيرة
--> ( 1 ) الشورى : 52 . ( 2 ) غافر : 15 .